المعطف | نيكولاي غوغول
كم من معطف ابتعناه و بجوارنا إنسان يرتعش برداً، لم نلحظه لفرط ما نشعر بالدفء داخل معاطفنا؟
المعطف؛ رواية قصيرة و هادئة، لكنها صاخبة بالبرودة؛ ليست برودة بطرسبرغ و لكنها برودة البشر
تلك البرودة الأخلاقية التي تجعل الإنسان لا يُبصر إلّا ذاته، فيُهمّش من دونه
ويتعامل مع الآخرين كتوابع صامتة لا ككائنات
تشعر و تُرهق و تتألم
في هذا العالم يُشيّئ الإنسان دون ضجيج، يُختزل إلى وظيفة، آلة إنتاج
إلى حضور لا يُلاحظ إلّا عند تعطّل العمل
وحين يُفتقد؛ لا يُسأل عنه بوصفه إنساناً بل كفراغ إداري مؤقت
لم يكن فقر أكاكي أكاكيفتش أكثر مافي حياته مأساوية
بل وحدته المقيتة و تهميشه و الأذى المتعمّد الذي تعرض له
غوغول لم يكتب عن الحرمان فقط، بل عن الحد الأدنى الذي يضمن للإنسان كرامته و حقه
حقه في أن يُرى و يُسمع و أن يُؤخذ على محمل الجد
فلم يقتل البرد أكاكي وحده؛ بل قتلته بيروقراطية لا ترى في معطف مسروق سبباً يستحق الانشغال
فما قيمة معطف لرجل غير ذي أهمية؟ فقُتل بالإهمال و اللامسؤولية و التعجرف
ثم في اللحظة الأخيرة فقط؛ أجهز عليه برد الشتاء
يُصور غوغول في هذه الرواية واحدة من أكثر مفارقات الحياة قسوة؛
عن أشياء نملكها بلا تفكير، نعدها بديهيات و ربما لا نراها شيئاً أصلاً
هي عند الآخر قد تكون مسألة بقاء أو فناء
قد تبدو النهاية السريالية عادلة للوهلة الأولى، لكن الواقع لا يمنح هذا النوع من العدالة
فلا تعود أشباح المظلومين لتأخذ بثأرهم
فبموتهم تخفت أصواتهم و يغيبون كما عاشوا، بلا أثر و بلا ضجيج
فمن يموت، يمون كأن لم يكن يوماً
من وجهة نظري تتقاطع المعطف لغوغول مع المسخ لكافكا
و يلتقي أكاكي بغريغور في مأساة اختزال الإنسان ضمن حدود قدرته على الإنتاج فقط
دون أدنى اعتبار لما إذ تحوّل إلى حشرة، أو مات فعلياً
لكن ما يجعل مأساة أكاكي أكثر فظاعة أنه كان وحيداً تماماً و خال الوفاض من كل شيء
بينما كان لغريغورولو لوقت أخت تشهد على وجوده
رائع
ReplyDelete