تجربة السفر: بين إثراء الروح و الخديعة

 فلتحزم حقيبة السفر الجلدية ذات اللون البني الفاخرة من لويس فيتون، ستذهب للمطار بالتأكيد مرتدياً إحدى البدلات ذات الطابع الرياضي مع ذاك الحذاء من شانيل و ستزين طلتك تلك بساعة فاخرة مرصعة بالألماس من رولكس، ستنطلق بعدها إلى المطار بالرولز رايس، و ستدخل من بوابة كبار الشخصيات، ستكون الأمور أسرع و أسهل لأنك ستستقل طيارتك الخاصة مسافراً إلى وجهتك التي بالطبع قد حجزت فيها مسبقاً فندقاً فاخراً يليق بقدرك المادي، و ما أن تصل وجهتك لتبدأ بعدها بالتسوق و السهر في أفخم الأماكن، فكل ما تملكه و ما حولك و ما تظهره لابدّ أن يكون فاخراً

*********

 لا أظن أنك استغربت السيناريو، اعتقد أنك تراه بشكل يومي، فهكذا هو السفر، أو هكذا أصبح

على طول المشهد المذكور الذي اعتدناه من فرط تكراره حتى لتعتقد شخصياً بأن السفر لابدّ أن يكون هكذا و إلا ما الفائدة

حقاً ما الفائدة التي تجنيها من السفر عندما تغير وجهتك فقط لتعاود التسوق من ذات المتاجر الموجودة في مكان إقامتك؟ 

أو لتنزل في فندق ذو خصوصية عالية حيث لا ترى أحداً ولا يراك ؟

أو عندما تزور أماكن معينة لزوار معينيين فقط ؟

أين هي روح هذه التجربة؟

كيف تستطيع حرمان نفسك من فوائد هذه التجربة الفريدة المغذيَة للروح و المنعشة للعقل 

برأيي أن السفر لبلد ما يغني عن قراءة كتاب عنه، فأنت تزوره و ترى حضارته و تاريخه بعينيك و تشعر بها، تمشي في الشارع فتقابل الشعب المكون لهذا البلد و تحتك بهم، فترى طبيعة لباسهم و طعامهم و أسلوب حياتهم، تخالطهم و تسمع تجاربهم و تستفيد من خبراتهم

جلَ فائدة السفر أنه يصقل شخصيتك و يجعلك تتعرف لمن هم برفقتك عن قرب، فكيف ستحقق هذه الفائدة و أنت منغلق على ذاتك داخل أسوار الخصوصية و الرفاهية الفاخرة؟

فالسفر خُلق لجمع الذكريات و ليس لاقتناء الأشياء، بالتأكيد لا أشمل التذكارات البسيطة التي تحمل بداخلها ذكرى المكان أو اللحظة

سافر و اجمع الذكريات و الأفكار و الأخبار والتجارب و عش  كل مشاعرالمتعة و البهجة و التجربة الجديدة

انطلق خفيفاً و عُد محمّلاً بالتجربة و ثرياً بالمعرفة

!لا تُضِع على نفسك فرصة الإثراء الروحي الحقيقي للسفر بمباهج أخرى قد روّجت لك مسبقاً و ليس بالضرورة أن تكون ذات معنى


Comments

Popular posts from this blog

رواية مكتبة منتصف الليل | مات هيغ

المعطف | نيكولاي غوغول

حيونة الإنسان | ممدوح عدوان