رواية المُقامر | فيودور دويستوفسكي
ببضع كلمات صاغ بها دويستوفسكي حبكته على عجل و رسم لنا لوحة المقامر
يُقال أنه اضطُر اضطراراً إلى كتابتها على عجالةٍ، و في ستة و عشرين يوماً كانت مُعدّةً للنشر تحت ضغط من الناشر و ضغط
آخر قد عاناه دويستوفسكي مع القمار و الديون
و كعادة دويستوفسكي في كتابة رواياته يُخيّل إليك أنك ترى مشهد رمزي سيكولوجي متقن الصنع
في لوحة المقامر هذه يتوسط أليسكي المُقامر المشهد بملامح اندفاعية مفرطة تجاه طاولة الروليت متحدياً القدر حسب زعمه، لا لأنه
عبد للقمار و لباولين و لشهواته و نزواته. يعيش أليكسي صراعان ضمنيان بين حب للحرية و حب للعبودية بتناقض واضح و صريح
ليتفوق حب الثانية تفوقاً ساحقاً يمحي كل ما خلفه
إلى جانب أليكسي تقف باولين شاردة بازدواجيتها المفرطة بين البرود و عدم اللامبالاة الظاهري و البركان الذي يغلي موشكاً على
الثوران بداخلها
لطالما أحبت باولين اختبار حب الآخرين لها و بالأخص أليكسي، فعلاقتها به تؤكد نزعتها للتحكم و حبها للسيطرة و التلاعب غير
النزيه بالآخرين ليبلوا لها مصالحها و أوامرها. على عكس علاقتها بالفرنسي دي غريو الذي يقف على مبعدة منها و يبدوان كأنهما
ينظران لبعضهما خلسة
أما الجنرال الذي يقف بزاوية اللوحة بزيّه الرسمي محاولاً إظهار قوة مصطنعة للحفاظ على مركزه الاجتماعي، و بضعفٍ عجيب
من جنرال أن يقف منتظراً وفاة عمّته ليأخذ ميراثها بدلاً من أن يحاول إيجاد وسائل أخرى تليق به و بمركزه
ينظر ساهماً و بكل بلاهة إلى السيدة بلانش تلك المخلوقة الانتهازية الصّرفة التي تقف على مبعدة منه مراقبةً الحدث و بملامحها
التي تشي بالخبث كواحدة تُدرك ما تملك جيداً و تعرف كيف تُصيب الآخر بمقتل، فهي لا ترى في الجنرال سوى فرصة للصعود
إلى المجتمع الأرستقراطي الذي تحلم به
يقف مستر آستلي مكتف اليدين على مبعدة من أليكسي و باولين و بنظرة تشي بالعطف عليهما، ذلك الإنكليزي الهادئ الرصين
كأنه يُمثل صوت الضمير الخارجي في الرواية معاكساً التهور و الاندفاع الروسي
في الزاوية الأُخرى معاكسة للجنرال تجلس الجدّة أنطونين على طاولة الروليت و بجانبها أكوام من الأوراق النقدية التي ما إن
تربحها حتّى تُعاود خسارتها و كأنها رمز للحرية الفوضوية و العجز الطفولي
على مقربة من باولين يقف دي غريو الفرنسي البراغماتي، ذاك العقل الغربي النفعي الصرف، ينظر بشهوة إلى باولين لكأنها
طريق يؤدي به إلى غاياته الاجتماعية و المادية
و بهذا تنتهي حكاية المقامر و تكمل اللوحة بشخوصها؛ بشهواتهم و أطماعهم، بآمالهم و أحلامهم
كأن الكازينو هو الحياة التي تعيش فيها بخساراتك و انتصاراتك، و لكل واحد منّا طاولة الروليت الخاصة به يُقامر عليها
بأحلامه و طموحاته و آماله
و يبقى ذاك السؤال في كل مرّة تترك فيها الطاولة؛ هل سأبقى أسير هذه الطاولة أم سأكسر الحلقة متمرداً؟
Comments
Post a Comment